العيني
156
عمدة القاري
الترجمة مشتملة على شيئين : أولهما مبادرة البزاق ، والآخر هو أخذ المصلي بزاقه بطرف ثوبه ، وفي الحديث ما يطابق الثاني وهو قوله : ( ثم أخذ طرف ردائه فبزق فيه ) وليس للجزء الأول ذكر في الحديث أصلاً ، ولهذا اعترض عليه في ذلك ، ولكن يمكن أن يقال ، وإن كان فيه تعسف : كأنه أشار بذلك إلى ما في بعض طرق الحديث ، وهو ما رواه مسلم من حديث جابر بلفظ : ( وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى ، فإن عجلت به بادرة فليقل بثوبه هكذا ، ثم طوى بعضه على بعض ) . وروى أبو داود : ( فإن عجلت به بادرة فليقل بثوبه هكذا ، وضعه على فيه ثم دلكه ) . قوله : ( بادرة ) أي : حدة ، وبادرة الأمر : حدته ، والمعنى : إذا غلب غليه البصاق والنخامة فليقل بثوبه هكذا . وقوله : ( وضعه على فيه ) تفسير لقوله : ( فليقل به ) ، ولأجل ذلك ترك العاطف أي : وضع ثوبه على فمه حتى يتلاشى البزاق فيه . ذكر رجاله : وهم أربعة : الأول : مالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي ، وقد مر في باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان . الثاني : زهير ، بالتصغير : ابن معاوية الكوفي . الثالث : حميد الطويل . الرابع : أنس بن مالك . وقد تقدم هذا الحديث في باب حك البزاق باليد من المسجد ، وذكرنا هناك ما يتعلق به من الأبحاث . ولنذكر ههنا ما لم نذكره هناك . قوله : ( كراهية ) ، مرفوع بقوله : رؤي ، على صيغة المجهول . قوله : ( أو رؤي كراهيته ) شك من الراوي قوله : ( لذلك ) أي : لأجل رؤية النخامة في القبلة . قوله : ( وشدته عليه ) يجوز فيه الرفع والجر عطفاً على الكراهية أو على لذلك قوله : ( أو ربه ) مبتدأ وخبره هو قوله : ( بينه وبين القبلة ) ، والجملة معطوفة على : ( يناجي ربه ) ، عطف الجملة الإسمية على الفعلية . قوله : ( وقال ) في بعض النسخ : ( فقال ) ، بالفاء . وفيه من الفوائد : استحباب إزالة ما يستقذر أو يتنزه عنه من المسجد . وفيه : تفقد الإمام أحوال المساجد وتعظيمها وصيانتها . وفيه : أن للمصلي أن يبصق في الصلاة ولا تفسد صلاته . وفيه : أنه إذا نفخ أو تنحنح جاز ، كذا قالوا ، ولكن هذا بالتفصيل وهو أن التنحنح لا يخلو إما أن يكون بغير اختياره فلا شيء عليه ، وإن كان باختياره فإن حصلت منه حروف ثلاثة تفسد صلاته ، وفي الحرفين قولان ، وعن أبي حنيفة : إن النفخ إذا كان يسمع فهو بمنزلة الكلام يقطع الصلاة . وفيه : إن البصاق طاهر ، وكذا النخامة والمخاط ، خلافاً لمن يقول : كل ما تستقذره النفس حرام . ومن فوائده : أن التحسين والتقبيح إنما هو بالشرع ، لكون اليمين مفضلة على اليسار ، واليد مفضلة على القدم . 04 ( ( باب عِظَةِ الإمامِ النَّاسَ فِي إتْمَامِ الصَّلاةِ وذِكْرِ القِبْلَةِ ) ) أي : هذا باب في بيان وعظ الإمام الناس بأن يتموا صلاتهم ولا يتركوا منها شيئاً ، والعظة على وزن : علة ، مصدر من : وعظ يعظ وعظاً وعظة وموعظة ، وأصل : عظة : وعظ ، فلما حذفت منه الواو عوضت منها التاء في آخره ، أما الحذف فلوجوده في فعله ، وأما كسر العين فمن الواو . فافهم . والوعظ : النصح والتذكير بالعواقب ، ويقال : وعظته فاتعظ أي : قبل الموعظة . وجه المناسبة في ذكر هذا الباب عقيب الأبواب المذكورة من حيث إنه كان فيها أمر ونهي وتشديد فيهما ، وهي كلها وعظ ونصح ، وهذا الباب أيضاً في الوعظ والنصح . قوله : ( وذكر القبلة ) بالجر عطف على : ( عظة ) أي : وفي بيان القبلة . 814 حدّثنا عَبْدُ اللَّه بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ أبي الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أن رسول الله قال ( هلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي ههُنا فَوَا ما يَخْفَى عَلَيَّ خُشوُعُكُمْ ولا رُكُوعُكُمْ إنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ ورَاءِ ظِهْرِي ) . ( الحديث 814 طرفه في : 147 ) . مطابقته للترجمة من حيث إن في هذا الحديبث وعظاً لهم وتذكيراً وتنبيهاً لا يخفى عليه ركوعهم وسجودهم ، يظنون أنه لا يراهم لكونه مستدبراً لهم ، وليس الأمر كذلك ، لأنه يرى من خلفه مثل ما يرى من بين يديه . ذكر رجاله : وقد تكرر ذكرهم ، وأبو الزناد ، بكسر الزاي وتخفيف النون : عبد اللَّه بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضاً ههنا عن إسماعيل عن مالك . وأخرجه مسلم أيضاً في الصلاة عن قتيبة عن مالك .